مجتمع

حقيقة الإنسان تكشفها المواقف…

حقيقة الإنسان تكشفها المواقف .
بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين ، أكادير ،فبراير ،2024
مقال(17),2024.
عندما يقتل إنسان واحد إثر جريمة ، يمكن للبحث عن القاتل ان يستوجب ابحاثا و تحريات و تحقيقات ، ويحدث ان يكون القتل جماعيا عبر هجوم او قصف او عملية إنفجار ميداني تستهدف الإنسان كيف ما كانت ديانته او هويته او انتسابه لمكان في هذا الكون او جماعة من التجمعات البشرية المنتشرة على هذا الكون .
أنت كإنسان مؤمن بالقيم الكونية لا يمكنك الا ان تتعاطف مع كل المستضعفين مهما كانت ديانتهم او ملتهم .
وفي العالم حروب و تنكيل للإنسان بالإنسان إما صراعا على بقع من هذا الكون ،او لأسباب عقائدية و سياسية تستهدف فيها فئة فئة اخرى تختلف او تخالفها الرؤيا و المعتقد .
ومع الأسف نتابع كيف أن العالم بكل مجموعاته البشرية لا يتعاطف مع القتل كمبدأ ،لكنه يحدد موقفه منه حسب معتقده و مصالح جماعته او مجموعته.
قبل سنوات كان القصف على سوريا قويا ، و تم الفتك بالمواطنين العزل و الدفع بهم الى التهجير القسري ليسكنوا خيام اللاجئين ، يومها لم يحصل التعاطف مع اهل سوريا و أعتبر مايحدث لهم جزءا من حرب ضرورية على رجل غير مرغوب فيه هو بشار الأسد ، وذنبهم الوحيد انهم سوريون .
لم ينجح المنتظم الدولي من إزاحة بشار ،كما لم يستطع إعادة النازحين إلى منازلهم ، واما القتلى فلا حديث عنهم بنفس التغطية الإعلامية التي تصاحب وقائع مشابهة في بقاع أخرى من العالم .
وحين إجتاحت روسيا دولة اوكرانيا ، لم تسمع اصوات التعاطف بنفس الحدة في اماكن اخرى ، ويمكن أن حجم الدمار في هذه الديار لم يجد طريقه الى الإعلام الدولي .
وغزة اليوم بعد اكثر من مائة يوم تحولت عمليات القصف اليومي الى شيئ اعتيادي ،فلا احد يهتم لعدد بلاغات حماس تعلن فيها تنصيب كمين او قتل جنود ، كما لا احد يعير اهتماما للارقام بعد كل قصف وحشي اسرائيلي لغزة ، بعد ان تجاوز مجموع الضحايا الثلاثين الف .
يعتقد جيل اليوم ان ما يحدث في هذه المناطق كمثال هو جرائم حرب و إبادة جماعية ،وان البطش و القتل و التنكيل وصل مستويات بشعة و قاسية ،
لكن من يعود الى التاريخ سيكتشف ان للإنسان ملاحم في القتل و الإبادة ، فاول عدو في الكون للإنسان هو الإنسان نفسه ، ورغم أن الطبيعة بمختلف مكوناتها تمارس القتل اليومي للبشر غرقا او احتراقا او زلازل او براكين ، إلا ان ذلك لا يرقى من حيث الاعداد الى تلك التي تحصي عدد ضحايا الحروب و الاعتداءات و الجرائم …
قد تدعو على اليهود في كل صلواتك ،لكن قلبك كإنسان لا يمكن ان يقف مجمدا وهو يشاهد مشاهد محرقة اليهود حيث يرمى بالأطفال و النساء و الشيوخ في النار أحياء ، ويستعملن وقودا للقطارات من طرف النازية الألمانية ،
وقد تبدو لك مجرد لقطة أشبه بأفلام الرعب و انت تشاهد الذخان الصاعد مثل نافورة مياه بعد إنفجار قنبلة هيروشيما وناكازاكي ،فهناك كل ما يتحرك فوق الارض و ما يحيا تحتها أبيد في ثواني، كل شيئ … كل شيئ ،
ومن أشهر جرائم الإبادة الجماعية، مذبحة سربرنيتشا، ومذبحة صبرا وشاتيلا والإبادة الجماعية والتطهير العرقي في رواندا،المحرقة الآسيوية التي ارتكبتها امبراطورية اليابان، و تدمير أفغانستان خلال الغزو السوفياتي،والحصار والمجاعة وغيرها من الأعمال الوحشية أثناء الحرب الأهلية النيجيرية. وإجتياح العراق و حرب اليمن …
وكما يبدو من الأمثلة المقدمة ، فالعرق والدين والسياسة ، كلها عوامل تبرر فتك الإنسان بأخيه الإنسان ، ومهما تعددت الاسباب و تباينت الظروف ،فالقتل واحد والإبادة مؤكدة .
نحن المسلمون نتألم يوميا من المشاهد التي تساق لنا عبر الإعلام لحرب على غزة لا احد يستطيع ايقافها ، و غيرنا في البلقان يتحسر على ظلم الروس لأوكرانيا امام عجز كل الداعمين والرافظين لهذا الظلم عن وقف الهجوم و إنهاء الحرب .
دفع الإنسان بأخيه الإنسان إلى الهروب و النزوح الى الخيام ، فأكثر من 120 مليون إنسان يعيشون اليوم نازحين في الخيام ، وكأن الحضارة الإنسانية المدنية لفظتهم خارج عالمها ورمت به الى هامش الحضارة .
هذه إبادات جماعية تترجم نزاعات و صراعات ، لكن ماذا لو كان قرار الإبادة شاملا عبر مخطط عالمي يروم تقليص عدد سكان الارض فيما يسمى بالمليار الذهبي ؟
مجموعة من المرضى العقليين – هكذا احب تسميتهم – يعتقدون أنهم لا يفكرون في حياتهم لكنهم يحملون هم الاجيال القادمة لذلك يضعون الخطط لتقليص التواجد البشري على الكون لكي تتمكن الاجيال القادمة من مواصلة قيام الكون و محاربة الفناء بالرغبة في البقاء ولو على حساب الابرياء ،
لذلك يعتقد كثيرون أن الاوبئة و الامراض و الحروب هي انجع وسيلة للوصول الى هذا المبتغى ، و يصنفون جائحة كورونا انها اذكى اشكال الإبادة الجماعية ضد الإنسانية مغلفة بغضب الطبيعة !!!
وبين تصديق هذا الكلام و تكذيبه تبقى الإنسانية عاجزة عن ترجمة وجودها على هذا الكون الى تعايش و تكافل و تجانس ، واصبح في حكم المؤكد ان كل ما يحدث لنا و من حولنا هي علامات متوالية و مسترسلة ترسم ملامح فناء الإنسان بسبب ظلمه لنفسه و لاخيه الإنسان ،اما الخالق فقد قطع عهدا انه ليس بظلام للعبيد ،بل وكان ربك رحمانا رحيما .
أيها الإنسان كلما تألمت لإنسان على هذا الكون دون روابط غير الإنسانية ،تكون حصلت على انبل القيم التي يمكن أن يحملها الإنسان ، اما إذا كان تعاطفك محكوما بخلفيات الجماعة و المجموعة البشرية ،فأنت مجرد إنسان ينصر اخاه ظالما او مظلوما و انا وإبن عمي على الغريب ، وهذا ليس من الإنسانية في شيئ …
فهل تعتبرون ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى